فخر الدين الرازي

121

النبوات وما يتعلق بها

الاحتمال الثالث : لعله انما حدث معجزة لنبي آخر أو كرامة لولى « 10 » آخر في طرف آخر من أطراف العالم . فانفق كلام هذا الكاذب ودعواه في ذلك الوقت ، فحدث هذا المعجز على وفق دعواه لهذا السبب . الاحتمال الرابع : قد ثبت أنه تعالى قد يقوى الشبهة في بعض المواضع ، حتى أن المكلف إذا احترز عن تلك الشبهة القوية بالكد العظيم والعناء الشديد ، استوجب الثناء العظيم . فههنا إذا خلق الله تعالى هذا المعجز عقب دعوى ذلك الشخص ، أوهم حدوثه عقيب دعواه ، انه انما حدث تصديقا له في دعواه . لكن العاقل لما علم أن ذلك - وان كان موهما - لكنه غير موجب ( التصديق ) « 11 » لاحتمال أنه تعالى انما أحدث ذلك المعجز ، عقيب دعواه « 12 » تشديدا على المكلف وتقوية للشبهة عليه . فإذا عرف هذا الاحتمال ، ولم يحمله على التصديق استحق به مزيد الثواب ، حيث احترز عن هذه الشبهة القوية . فيكون المقصود من اظهار المعجز ذلك . ألا نرى أن الله تعالى أنزل المتشابهات الكثيرة في كتابه ، ولا مقصود منها سوى ما ذكرناه . فكذا هاهنا . الاحتمال الخامس : لعل هذا النبي كان قد علم . أما بواسطة علم النجوم ، أو بواسطة علم الرمل « 13 » أو بواسطة تعبير الرؤيا : أن الحادث الفلاني ، الخارق للعادة ، سيحدث في اليوم الفلاني ، والناس كانوا غافلين عنه ثم أنه في ذلك اليوم : ادعى النبوة ، وادعى حدوث ذلك الحادث لمعجز ، فلما حدث على وفق دعواه ، ظن الناس أنه انما عرفه بالهام الله تعالى واخباره .

--> ( 10 ) الأستاذ أبو عبد الله الحليمي من أهل السنة ، وجمهور المعتزلة ينفون الكرامات عن الأولياء : بأنه لو ظهرت الخوارق من الأولياء لالتبس النبي بغيره ، لان الخارق انما هو المعجزة . وبأنها لو ظهرت على أيديهم لكثرت بكثرتهم ، وخرجت عن كونها خارقة للعادة ، ( تحفة المريد على جوهرة التوحيد ص 185 طبعة الأزهر ) . ( 11 ) من ( ل ) . ( 12 ) دعوى ذلك المدعى ( ت ) . ( 13 ) الرمل ( ت ، ط ) الرسل ( ل ، طا ) .